جيرار جهامي
مقدمة 14
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )
التصوّف الفلسفي عنده . فهلّا سنجد أنفسنا إزاء أصناف معرفية عدّة وحقائق متناقضة تغذّي مذهبه ؟ أهناك حقّا ، كما يدّعي البعض ، مسافات قاطعة بين مشائية المشارقة ومشائية المغاربة على صعد المنهجيات والغايات والإيديولوجيّات ؟ أم أن التواصل والتكامل قد يصوّبان ويجنّبان الوقوع في متاهات الازدواجية الفاصلة ؟ تسير فلسفة المعرفة والحكمة العامة في تدرجاتهما لدى الشيخ الرئيس بمحاذاة تيارات معرفية يونانية كالأرسطية والأفلاطونية المحدثة . كذلك فهما يستمدان خواتمهما من عقائد إسلامية ونورانية صوفية . « فالحكمة صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه وما عليه الواجب مما ينبغي أن يكسبه فعله ، لتشرف بذلك نفسه وتستكمل وتصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود ، وتستعدّ للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب طاقة الإنسان » « 1 » . لذا لم يعد يهمّ فيلسوفنا التركيز على مراحل المعرفة واكتساب الحكمة فحسب ، إنما السعي إلى إبراز مكامن نمو النفس بالمقابل ، وتحديد موازين معرفتها الذاتية للأمور من خلال عوامل تساعدها على تفعيل إمكاناتها . فبقدر ما تنفتح على أناها ، بقدر ما تعي ذاتها بذاتها وتتفلّت من تأثير القوى الغيبية المفارقة . وفي هذا السياق أفرد ابن سينا براهين حدسية وعقلية وطبيعية وحسّية ، للدلالة على تمايز النفس عن البدن كقوة تسيّره وتسيطر عليه متعالية منزّهة . إن تحديد معارف هذه النفس الذاتية بوجهيها الانفعالي والفاعل يسدّ فراغا تحكّم بالفكر العربي حيث تاه العقل بين قواه الذاتية وتلك الغيبية ، وبات ينتظر تلقّي حقائقه من خارج بواسطة الخبر الذي يأتيه عن طريق العقل الفعّال . وهذا يعني أن معيار الحقيقة كان يكمن خارج النفس الإنسانية ولا ينبع من داخلها ، مما جعل أمر المعرفة ينعكس ازدواجية بين نظر العقل الذاتي ( ومنه فعل التنظير الذهني ) وتصديق الخبر ( ومنه فعل الإيمان القلبي ) . فهل هذا يفترض أن عقل الفيلسوف يبقى منغلقا ، في شقّه العلوي ، على حقيقته ينتظر من يكشف له عنها ؟ وهل يقع به التصديق إلى حدّ
--> ( 1 ) استقينا مادة المصطلحات المستعملة في هذه المقدمة بمعظمها من مضامين الموسوعة مباشرة .